الشيخ يوسف ال عصفور
البحراني (صاحب الحدائق الناضرة )
السيرة والمنهج
• نسبهُ
ومولُده :
هو الفقيه العظيم والمحدّث الكبير الشيخ يوسُف نجل
العلامة الكبير الحجة العلم الأوحد الشيخ أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن صالح بن أحمد
بن عصفور بن أحمد بن عبد الحسين بن عطية بن شيبة الدرازي البحراني.
كان مولدُه بقرية (ماحوز) حيث كان قد هاجر شيخنا
الأوحد الشيخ أحمد (والد الشيخ يوسُف) من موطنه (دراز) إليها لينهي دراسته العالية
على شيخه المحقق الكبير الشيخ سُليمان الماحوزي وكان قد حمل معه عياله فالقى رحله مستوطناً
هناك عاكفاً على الأخذ والتحصيل من شيخه المومأ إليه وفي مدة أقامته ولد له الشيخ المترجم
له عام (1107).
• حياته
:
ولما كان الشيخ يوسُف أول ذكر وُلِدَ لأبيه أختص
به جده لأبيه التاجر الصالح الكريم الحاج إبراهيم (وكان تاجراً له سُفن وعمال يمتهن
غوص اللؤلؤ ويتعاطى تجارته وتصديره).
فشبّ المترجم له ودرج في حجر جده البار ونشأ وترعرع
تحت كلائته فأحضر له معلماً في البيت يُعلّمه القراءة والكتابة حتى أتقنهما فقام والده
بتدريبه وتربيته بكل عطفٍ وحنان وتصدى لتدريسه وتعليمه وتولى ذلك بنفسه محافظاً عليه
يوليه عنايته وتوجيهه فطفق يُلقى عليه الدروس الآلية ويملي عليه المبادئ ويعلمه العربية
ويفيض عليه العلوم الأدبية وغير الأدبية حتى أكملها واصبح ماهراً فيها. وحاز مكانته
السامية في فنون الأدب وتضلعه في علوم البلاغة. واستمر على ذلك يقرأ على والده ويستقي
من منهله العذب ونميره الصافي.
وكانت حياة الشيخ يوسُف ملؤها البلايا والفتن والرزايا
والمحن فكأنه قُدّرَ عليه من أول يومه أن يكون غرضاً للآفات والنكبات.
فما إن مضت من عمره خمس سنين إلا وابتدأت الفتن والاضطرابات
والحوادث الداخلية في بلاده (البحرين) فوقعت الحروب القبلية بين القبيلتين (الهولة)
و(العتوب). واستمرت هي وتبعاتها سنين.
ولما تنتهي هذهِ المشكلة ولم يكد ينجو منها أهل البحرين
إلا ودُهِموا بأعظم منها وأشد وأخزى ألا وهي هجمات الخوارج على البحرين كرةً بعد أخرى
حتى إذا كانت السنة الثالثة حاصروها واحتلوها عنوة فكانت وقعة عظمى وداهية دهماء لما
وقع من عظيم القتل والسلب والنهب وسفك الدماء وتلف الأموال حتى أضطر وجهاء البلد وزعماؤها
إلى الجلاء عن أوطانهم فارين بعيالهم منجين أنفسهم ومنهم والد الشيخ المترجم له فقد
هاجر والده (رحمه الله) وخلّف أكبر ولده وهو الشيخ يوسف في ذلك المأزق الحرج والموقف
الرهيب عساه يتحفظ على ما تبقى من بقايا النهب وعساه يسترجع بعضاً مما نهب من أثاث
ومتاع ولا سيما الكتب التي أخذت سلباً وذهبت نهباً خلفه ليستنقذ الذاهب وليتحفظ على
الباقي ويبعث بذلك إلى والده شيئاً فشيئاً.
وبعد سنين قضاها كما مر لحق أباه بالقطيف فجدّد به
العهد وكان والده قد سأم المقام وملّ المكث هناك لكثرة العيال وقلة ذات يده وقد أثّرت
أحداث البحرين عليه تأثيراً عجيباً خصوصاً عندما أحرقوا داره المعمورة مما أثّر على
صحة والد الشيخ يوسف وطال به المرض إلى شهرين إلى أن وافاه أجله وأختاره الله إلى دار
رحمته الواسعة ضحوة اليوم الثاني والعشرين من شهر صفر سنة 1131 هـ ـ ق فخسرت الأمة
عامة والشيخ يوسف خاصة.
• مشايخه
وأساتذته :
حج الشيخ يوسف البيت الحرام وزار مشاهد أئمة الهدى
(عليهم السلام) وأتيحت له عدة رحلات إلى النجف الأشرف وإيران حيث غادرهما إلى كربلاء
المقدسة وقد ألف فيها بعض تآليفه. وقد استطاع من خلال زيارته تلك أن يحصل على نضج في
التفكير وغزارة في العلم وقد درس عند جملة من العظماء عدّ (رحمه الله) أربعة من مشايخه
في كتابه لؤلؤة البحرين وهم:
1 ـ والده العلامة الشيخ أحمد.
2ـ العلامة الفذ الشيخ أحمد بن عبد الله بن الحسن بن جمال البلادي البحراني
المتوفى سنة 1137.
3 ـ المحقق الحجة الشيخ حسين ابن الشيخ محمد جعفر الماحوزي المتوفى
عام 1171. وهو عمدة مشايخه وشيوخه في الفقه والحديث.
4 ـ الشيخ عبد الله بن علي بن أحمد البلادي البحراني المتوفى في شيراز
سنة 1148
• الأحداث التاريخية في عصره و آثارها في حياته :
1 – في سنة 1112 هـ ( 1700 م ) صارت واقعة بين ( الهولة ) ( والعتوب
) وقد انهزم فيها العتوب وكان للشيخ يوسف خمس سنوات ، وكان والده مقيما في الماحوز
لطلب العلم ، وقد تربى في احضان جده ( الشيخ ابراهيم آل عصفور ) وكان مشتغلاٌ بتجارة
اللؤلؤ ، وكان شديدالحدب عليه ، فهيأ له أسباب الحياة الكريمة ، ووسائل التزود بالعلم
النافع منذ نعومة أظافره .
2 – وفي سنة 1131 هـ ( 1718 م ) احكم ( اليعاربة ) قبضتهم على جزيرة
البحرين بعد حرب طاحنة بينهم وبين الإيرانيين ، أدت الى خراب البلاد ، وقد عم الحريق
أرجاء الجزيرة ، واحرق – فيما احرق – بيت الشيخ في الشاخورة وفيه مكتبة والده القيمة
التي احرق قسم منها ، ونهب القسم الآخر فكان أعضم مصيبة على الأسرة وخاصة والده هذه
المأساة العلمية الكبرى .. لذلك اخذ الشيخ بعدئذ يحاول استنقاذ مابقي من كتب والده
، وابتياعه من ايدي الناهبين وغيرهم .. ثم رحل مهاجراً الى ( القطيف ) حيث يقيم والده
.
3 – وفي سنة 1133 هـ ( 1720 م ) رحل ( اليعاربة ) عن البحرين بعد خرابها
ومحاولة القضاء على الحركة العلمية والنشاط الإقتصادي فيها ، وذلك بموجب صلح مع امام
عمان آنذاك ودفع مبلغ خطير لكي يبرم مثل ذلك الصلح . وفي هذه السنة عاد الشيخ يوسف
الى البحرين ، واشتغل فيها بإكمال تحصيله العلمي ، وبقي في البحرين خمس أو ست سنوات
.
4 – وفي حدود سنة 1139 هـ ( 1726 م ) هاجر الى نواحي ايران بعد استيلاء
( الهولة ) على البحرين ، وتولي حكمها ، واقام برهة في ( كرمان ) ثم قطن ( شيراز )
وتوابعها مشتغلاً بالتدريس والتأليف وفي هذه البلاد كتب كثيراً من مصنفاته ، ومنها
كتاب ( الحدائق ) الشهير .
ثم شاءت المقادير أن يتشرف بمجاورة الحسين الشهيد
( ع ) في كربلاء ، ويتخذ منها آخر مقر لإقامته ، وفيها استأنف نشاطه العلمي في التدريس
والتأليف والبحث والمناظرة .
إلى ايران
وبعد احتلال الافاغنة بلاد ايران وقتلهم الشاه سلطان
حسين آخر ملوك الصفوية وذهاب ملكهم ، تفاقمت الاضطرابات في البحرين وعمها الفوضى واستمرت
الثورات الداخلية ، حتى الجأت شيخنا المترجم له إلى مغادرة بلاده والجلاء عن وطنه فغادرها
إلى ايران ، وحل برهة في كرمان ، ثم ارتحل إلى شيراز واستقر مقيما بها على عهد حاكمها
( محمد تقي خان ) فعرف لشيخنا المترجم له علمه وفضله وتقاه فقربه وعظمه ، ولقي الشيخ
منه حفاوة بالغة واعظاما " وتبجيلا ، فلبث بها غير يسير مدرسا " واماما
" ، ناهضا " باعباء الوظائف الشرعية ، حيث القت اليه الزعامة الروحية مقاليدها
، وتفرغ للمطالعة والتأليف ، والبحث والتدريس ، والاجابة على الاسئلة الدينية ، فالف
جملة من الكتب وعدة من الرسائل ، على فراغ البال ورفاهية الحال ورغد في العيش ،
وما إن أمهله الدهر حتى
عصفت بتلك البلاد عواصف الايام التي لا تنيم ولا تنام ، ففرقت شملها ، وبددت اهلها
، ونهبت لمموالها ، وهتكت نساءها ، ولعب الزمان باحوالها ، فغادرها المترجم له إلى
بعض القرى ، واستوطن قرية ( فسا ) وحاكمها آنذاك الزعيم ( محمد علي ) فاجل الشيخ وعظمه
، فصرف اوقاته كلها فيما تتوق اليه نفسه ، وما هي امنيته من حياته ، وهي المطالعة والتصنيف
والتدريس ، فصنف كتبا " ورسائل وابتدأ هناك بتصنيف ( الحدائق الناضرة ) واستمر
فيه إلى باب الاغسال ، حتى ثار طاغية شيراز ( نعيم دان خان ) الثائر بها من ذي قبل
في اخريات عام 1163 ، فنزل بتلك البلاد ايضا " من حوادث الاقدار ما اوجب تشتت
اهلها إلى الاقطار ، وتفرق جمعها إلى الصحارى والبرار ، فقتل حاكمها ( محمد علي ) وهجم
حتى على دار المترجم له وهو مريض ، ونهبت امواله واكثر كتبه ومؤلفاته القيمة التي هي
اعز عليه من نفس وثمرات حياته الثمينة . فغادر بلاد ايران ويمم العراق ، فالقى رحله
في كربلاء المشرفة ، موطنه الاخير ومستقره الابدي وانا لم نقف على تاريخ هبوطه كربلاء
إلا ان الذي يظهر من تاريخ بعض تآليفه انه حل بها قبل عام 1169 .
• زعامته
الدينية للحوزة العلمية في كربلاء .
ثم سافر إلى العتبات العالية وجاور كربلاء بعد
رحلة علمية استغرقت خمسة وثلاثين عاماً .
ونشط الشيخ يوسف في كربلاء ، وواصل عمله العلمي على
صعيدي التأليف والتدريس بالاضافة إلى الزعامة الدينية التي انفرد بها في هذه المدينة
المقدسة . وتخرّج على يده خلال هذه المدة عدد من كبار الفقهاء الافذاذ امثال :
أبي علي الحائري المازندراني مؤلف كتاب « منتهى المقال
» في علم الرجال ، والمحقق القمي الميرزا ابو القاسم صاحب « القوانين » في علم الاصول
، والشيخ حسين ال عصفور ابن اخيه مؤلف « عيون الحقائق الناضرة في تتمة الحدائق الناضرة
» ، والسيد علي الحائري صاحب « رياض المسائل » ، والسيد مهدي بحر العلوم الفقيه الشهير
صاحب « الفوائد الرجالية » ، والمولى المحقق النراقي محمد مهدي مؤلف «جامع السعادات » وآية الله السيد ميرزا مهدي الشهرستاني ، وغيرهم الكثير من كبار الفقهاء والمجتهدين
، عدا الكثير من طلاب العلم والمشتغلين الذين كان يستسقون من نمير علمه خلال فترة تواجده
في
ايران ولا سيما في معهدها الديني ( شيراز ) من الذين
لم يضبط لنا تاريخ
التراجم اسمائهم .
• ظهور الصراع
بين الاخباريين والاصوليين :
وفي كربلاء التي حل بها الشيخ يوسف (رحمه الله) في
حدود سنة ( 1169 هـ ) احتدم
الصراع الفكري بين الاخباريين والاصوليين ، يصدر
منها إلى خارجها ويرد من خارجها إليها ، ويدور عنيفاً على محور مركزها العلمي ، ذلك
ان ثورة الميرزا الاسترآبادي قد اثارت ردود فعل قوية ومن اهمها ان قوبلت بثورة اصولية
من الوحيد البهبهاني .
وكان للمحدث البحراني دور مهم في محاولة توازن القوى
وتبريد غليان الصراع ، وذلك بشجب التطرف الذي كان من المحدث الاسترآبادي ت 1033ه والفيض
الكاشاني ت 1091ه وامثالهما . والاخذ بالموقف المعتدل والعقلانية من هذا الصراع المرير
بين المدرستين ، محاولا بذلك تخفيف غلواء اسلافه في الرأي ، والحد من حملاتهم الجارحة
، ومحاكمة الاصوليين ايضا الدين لايقلون تطرفا من الاستربادي والفيض الكاشاني ثم محاولة
تقليص الخلاف بينهم وبين الاخباريين .
يقول (رحمه الله) في المقدمة الثانية عشرة من مقدمات
« الحدائق »:
« وقد كنت في اول الأمر ممن ينتصر لمذهب الاخباريين ، وقد اكثرت البحث
فيه مع بعض المجتهدين من مشايخنا المعاصرين ، إلاّ ان الذي ظهر لي بعد اعطاء التأمل
حقه في المقام وامعان النظر في كلام علمائنا الاعلام ، هو اغماض النظر عن هذا الباب
وارخاء الستر دونه والحجاب ، وان كان قد فتحه اقوام واوسعوا فيه دائرة النقض والابرام
.
- اما اولا : فلاستلزامه القدح في علماء الطرفين ، والازراء
بفضلاء الجانبين ،
كما قد طعن به كل من علماء الطرفين على الآخر ، بل
ربما انجرالى القدح في الدين سيما من الخصوم المعاندين .
- وأما ثانياً : فلأن ما ذكروه في وجوه الفرق بينهما جله بل كله
عند التأمل
لا يثير فرقاً في المقام »
- وأما ثالثاً : فلأن العصر الاول كان مملوءاً من المحدثين والمجتهدين
، مع انه لم يرتفع بينهم صيت هذا الخلاف ، ولم يطعن احد منهم على الآخر بالاتصاف بهذه
الاوصاف ، وان ناقش بعضهم بعضاً في جزئيات المسائل واختلفوا في تطبيق تلك الدلائل
.
وحينئذ فالاولى والأليق ـ بذوي الايمان ، والأحرى
والانسب في هذا الشأن ـ هو ان يقال : ان عمل
علماء الفرقة المحقة ... إنما هو على مذهب أئمتهم (عليهم السلام) وطريقتهم الذي اوضحوه
لديهم ... ولكن ربما حاد بعضهم ـ اخبارياً كان او مجتهداً ـ عن الطريق غفلة او توهماً
او لقصور اطلاع او قصور فهم او نحو ذلك في بعض المسائل ، فهو لا يوجب تشنيعاً ولا قدحاً
، وجميع تلك المسائل ـ التي جعلوها مناط الفرق ـ من هذا القبيل .
فانا نرى كلا من المجتهدين والاخباريين مختلفون في
آحاد المسائل ، بل ربما خالف احدهم نفسه ، مع انه لا يوجب تشنيعاً ولا قدحاً ، وقد
ذهب رئيس الاخباريين الصدوق (رحمه الله) إلى مذاهب غريبة لم يوافقه عليها مجتهد ولا
اخباري ، مع انه لم يقدح ذلك في علمه وفضله .
ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقوع هذا الاعتساف
إلاّ من زمن صاحب
الفوائد المدنية ـ سامحه الله تعالى برحمته المرضية
ـ فانه قد جرد لسان التشنيع على الاصحاب ، واسهب في ذلك أي اسهاب ، واكثر من التعصبات
التي لا تليق بمثله من العلماء الاطياب ... وكان الانسب بمثله حملهم على محامل السداد
والرشاد ان لم يجد ما يدفع به عن كلامهم الفساد ...
وكان لهذا الموقف الذي وقفه الشيخ يوسف من هذا الصراع
تأثيراً بالغ الأهمية في إعادة الانسجام إلى مدرسة أهل البيت .
وفي نفس الوقت تدل على قمة في الوعي والمسؤولية أدركه
المحدث البحراني (رحمه الله) على عاتقه ، واحس بثقلها على كاهله ، فتوجه بكل ثقله العلمي
لتضييق شقة الخلاف وإزالة الحواجز
وقيم اية الله الشيخ محمد امين زين الدين رحمه الله هدة المحاولات التقريبية للشيخ يوسف بالقول
...( والفروق التي تذكر لا تتجاوز ما يحدث بين أي فقيهين ولو من مسلك واحد، وخصوصاً
في هذه العصور حيث كان للشيخ صاحب الحدائق والشيخ الأنصـاري (قدس الله سرهما) الفضل
في جلاء الكثير من الحقائق التي كانت غامضة قبلهما، فجزاهمـا الله عن الإسلام وأهله
خير جزاء المحسنين .
على أنّ معظم تلك الفروق – حتى فيما قبلهما من الزمن
– لم يختصّ بأحد المسلكين دون الآخر ، فهناك فقهاء من ذوي المنهج الأصولي قد وافقوا
الإخباريين في اختيار ما قيل باختصاصهم به من المسائل وبالعكس . )) وفي كتابي الحدائق
والدرر النجفية مباحث قيّمة في هذا الشأن .
ولكن لايفهم من هدا التقريب ان الشيخ يوسف البحراني
قد ترك طريقته الاخبارية وتحول الى مسلك الاصوليين
لاننا سنجد تمسكه بمنهج المحدثين ودفاعه المستميت عن مسلكهم وتبنيه له واضحا وجليا
في ارائه ونظرياته وهنا شهادة للسيد محسن الامين صاحب الاعيان بدلك
• شهادة
السيد الامين :
...ان مراده في الطريقة الوسطى ترك بعض ما يقولوه الأخباريون من أنهم
لايعملون الا بالقطع وأن الأخبار قطعية وغير ذلك من الأمور والا فالرجل أي -الشيخ يوسف
-اخباري صرف لا يدخل في شيء من طرف المجتهدين كما تشهد بذلك مصنفاته ... اعيان الشيعة
ج 10
تضييق دائرة الفروق بين المدرستين
:
حصر الفروق بين الاخباريين والاصوليين في ثمانية
امور بعد ان انتقد الشيخ السماهيجي الذي اوصلها الى ثلاثة وأربعين فرقا فقال : (أنّ
ما ذكره شيخنا الصالح المتقدّم ذكره من الفروق، و أطال به من الشقوق،
كثير منه بل أكثره تطويل بغير طائل، و ترديد لا يرجع إلي حاصل. و نحن
نذكر هنا ما هو المعتمد عندهم و الأقوي، بما صرّح به هو و غيره في
دليل تلك الدعوي ) الدرر الجفية ج3-290
ففي عرضه للفرق الاول في ادلةالاحكام الشرعيه بين
المدرستين قال :( أنّ أدلة الأحكام الشرعيّة
عند المجتهدين أربعة: (الكتاب)، و السنّة، و الإجماع، و دليل العقل. و أمّا
عند الأخباريّين فليس إلّا (الكتاب) و السنّة، بل اقتصر بعضهم علي السنّة،
بناء علي أن (الكتاب) لا يجوز تفسيره و العمل بما فيه إلّا بما ورد
التفسير عن أهل البيت- صلوات اللّه عليهم- و هذا الوجه من أقوي وجوه
الفروق عندهم )
لكنه ذهب الى ان الاجماع وتحققه لايصلح ان يكون من
وجوه الفروق بين الاتجاهين فهناك الكثير من المحققين الاصوليين (...ينازعون في تحقيق
الإجماع المذكور غاية النزاع، و يطعنون فيه و يمزّقونه تمزيقا لا يرجي له
الإجتماع، کما لا يخفي علي من راجع كتبهم الاستدلالية، ككتاب (المعتبر)
و (المسالك) و (المدارك) و (الذكري) و (الذخيرة) للفاضل الخراساني، و غيرها. و
هذا بحمد اللّه تعالي ظاهر لمن تتبع الكتب المذكورة.
و حينئذ فليس مسأله الاحتجاج بالإجماع و جعله
دليلا شرعيا إلّا من جملة المسائل الخلافية بين العلماء، مجتهدا کان أو أخباريّا،
فلا يصلح لأن يکون فرقا في المقام.
وكذلك الحال في دليل العقل الذي فسره بالبراءة الاصلية
والاستصحاب لايصح ان يكون من جملة الفروق (فالخلاف في حجيّته بين المجتهدين
موجود في غير موضع، و المحققون منهم علي منعه.
و قد فصّل المحقّق في أوّل كتاب (المعتبر)،
و المحقّق الشيخ حسن في كتاب (المعالم)- و غيرهما في غيرهما- الكلام
في البراءة الأصلية و الاستصحاب علي وجه يدفع تمسك الخصم به في هذا
الباب. و بعض- كالسيد السند في (المدارك)- جوّز العمل بالبراءة الأصلية،
و منع العمل علي الاستصحاب.... و حينئذ، فهذه المسألة أيضا من جملة المسائل
الخلافية بين العلماء، فلاتصلح لأن كون وجه فرق في المقام، کما لا
يخفي علي ذوي الأفهام.)الدرر النجفية ج3-291
وفي عرضه للفرق الثاني قال :
(أنّ الأشياء عند الأخباريّين مبنية علي التثليث حلال بيّن،
و حرام بيّن، و شبهات بين ذلک. و أمّا عند الاصولييّن فليس إلّا الأوّلان.)
ثم اوضح هدا التقسيم بوجهين
(أولا: أنّ هذا الاختلاف
متفرّع علي جواز العمل علي البراءة الأصلية و عدمه، فمن اعتمد عليها و قال
بها فالأشياء عنده إمّا حلال، أو حرام. و من منع العمل عليها اتّجه عنده
القول بالتثليث. فهذا الوجه راجع إلي الوجه الأوّل، فليس فيه إلّا تكثير
الأعداد و إضاعة المداد.
و ثانيا: أنه قد تقدّم في الدرّة الموضوعة
في مسأله البراءة الأصلية أنّ مذهب الشيخ و شيخه مفيد الطائفة الحقّة و رئيس
الفرقة المحقّة- کما تقدّم نقله عن كتاب (العدة)- هو القول بالتثليث
کما هو المنقول عن الأخباريّين، و هذان الشيخان عمدتا المجتهدين، و مثلهما
أيضا المحقّق في (المعتبر) کما تقدّم نقله ثمّة. و حينئذ، فلا يکون هذا
القول مختصّا بالأخباريّين.
و كلام الصدوق- في كتاب (الاعتقادات) صريحا،
و في كتاب (من لا يحضره الفقيه) ظاهرا- ممّا ينادي بالقول بالتثنية کما
هو المنقول عن الاصوليّين.
قال في كتاب (الاعتقادات): (باب الاعتقاد
في الحظر و الإباحة. قال الشيخ رضي اللّه عنه: اعتقادنا في ذلک أنّ
الأشياء كلّها مطلقة حتي يرد في شيء منها نهي) انتهي.
فالأشياء عنده إمّا حلال، أو حرام. و الصدوق
هو عمدة الأخباريّينو مستندهم في هذه الطريقة.)والنتيجة التي يختلصها من هدا
التوضيح...( و بذلك يظهر لك أن هذا الوجه لا يصلح لأن يکون فرقا، بل
هو من المسائل الخلافية بين العلماء) الدرر النجفية ج3 -292/293
وفي عرضه للفرق الثالث قال : أن
المجتهدين يوجبون الاجتهاد عينا أو تخييرا، و الأخباريين يحرّمونه، و يوجبون
الأخذ بالرواية، إمّا عن المعصوم، أو من روي عنه و إن تعددت الوسائط.
كذا قرّره شيخنا الصالح المشار إليه آنفا في كتابه المذكور)
ثم بسط الكلام في في المعنى المراد من ذلك حيث بين
معنى الاجتهاد عند الاصوليين والفقيه الذي يمكن الرجوع اليه واخد الاحكام الشرعيه منه
وانه لايمكن للعامي البسيط ان يرجع للروايات مباشرة والاستفادة منها وهو غير مؤهل ولايملك
ادوات فهم النص في مقام استنباط الحكم الشرعي
قال :(لا ريب أنّ الناس في وقت الأئمّة عليهم
السّلام مكلّفون بالرجوع إليهم و الأخذ عنهم مشافهة أو بواسطة أو وسائط، و
هذا ممّا لا خلاف فيه بين كافة العلماء من أخباري و مجتهد. و أمّا في
زمان الغيبة- كزماننا هذا و أمثاله- فإنّ الناس فيه إمّا عالم أو متعلّم.
و بعبارة اخري: إمّا فقيه، أو متفقّه. و بعبارة ثالثة:
إمّا مجتهد، أو مقلّد
و قد حقّقنا في الفائدة الرابعة من الفوائد
الّتي في شرح مقبولة عمر بن حنظلة أنّ هذا العالم و الفقيه ألذي يجب
علي من عداه الرجوع إليه لا بدّ أن يکون له ملكة الاستنباط للأحكام
الشرعيّة من الأدلة التفصيلية؛ إذ ليس كلّ أحد من الرعية و العامة ممن يمكنه
تحصيل الأحكام من تلك الأدلة و استنباطها منها- کما هو ظاهر لكلّ ناظر-
کما حقّقناه في الموضع المشار إليه.
و الاجتهاد ألذي أوجبه المجتهدون إنّما هو
عبارة عن بذل الوسع في تحصيل الأحكام من أدلتها الشرعيّة و استنباطها منها
بالوجوه المقررة و القواعد المعتبرة، و لا ريب أن من کان قاصرا عن هذه
المرتبة العلية و الدرجة السنية فلا يجوز الأخذ عنه و لا الاعتماد علي فتواه.
و بذلك يظهر لك ما في قوله: إن الأخباريّينيوجبون الأخذ بالرواية، فإنه
على إطلاقه ممنوع؛ لما عرفت من التفصيل؛ إذ أخذ عامة الناس بالرواية في
زمن الغيبة أمر ظاهر البطلان و غني عن البيان.
و كيف لا، و الروايات علي ما هي عليه
من الإطلاق و التقييد و الإجمال و الاشتباه متصادمة في جملة الأحكام، و استنباط
الحكم الشرعي منها يحتاج إلي مزيد قوة و ملكة راسخة قدسية، کما ذكرناه في
الموضع المشار إليه آنفا؟
فأنّي للعامي باستعلام ذلک؟ فلابد البتة من
الرجوع إلي عالم له تلك الملكة المذكورة.
نعم، بقي الكلام في أمر آخر و هو أن ذلک
الفقيه إن استند في استنباطه الأحكام إلي (الكتاب) و السنّة فهذا ممّا وقع
الاتفاق علي الرجوع إليه، و إن کان إنّما استند إلي أدلة اخري من إجماع
أو دليل عقل أو نحوهما، فهذا هو ألذي منعه الأخباريون و شنّعوا به علي
المجتهدين.
و حينئذ فيرجع هذا الوجه إلي الوجه الأوّل،
و ليس في عدّه وجها علي حدة إلّا مجرّد [التهويل] بتكثير الأعداد و إضاعة المداد.
علي أنك قد عرفت في جواب الوجه الأوّل
الخلاف بين المجتهدين في الأدلة الزائدة علي (الكتاب) و السنّة، و أنّ ذلک
لا يصلح لأن يکون وجها فارقا بين الفرقتين، بل هو من سائر المسائل
الخلافية الجارية في البين) المصدر نفسه.
وفي عرضه للفرق الرابع قال: أنّ المجتهدين يجوّزون
أخذ الأحكام الشرعية بالظنّ، و الأخباريّين يمنعونه و لا يقولون إلّا بالعلم؛
و العلم عندهم: قطعيّ و هو ما وافق نفس الأمر، و عاديّ و أصلي و هو ما
وصل عن المعصوم ثابتا، و لم يجوّزوا فيه الخطأ عادة،و أنّ الشارع و أهل
اللغة و العرف يسمّونه علما. و أنّ الظن ما کان بالاجتهاد و الاستنباط بدون
رواية، و أنّ الأخذ بالرواية لا يسمّي ظنّا. و لهم بالمنع من العمل بالظن
أدلة من (الكتاب) و السنّة.
و الاعتراض بأنّ العامل بالأخبار لا يخرج عن
العمل بالظن ممنوع؛ لأنه لا يسمّي ظنا لغة و لا عرفا و لا شرعا، و تجويز
احتمال النقيض فيه لا يخرجه عن ذلک؛ لأن العلم الشرعي إنّما هو ما
لا يجوز احتمال النقيض فيه عرفا و عادة لا مطلقا؛ لورود الإذن بالأخذ من
الرواة، مع النهي عن الظنّ، و التناقض في كلامهم غير جائز. هكذا قرّره
شيخنا المشار إليه في كتابه المذكور آنفا.
و الجواب عمّا ذكره هنا يؤخذ ممّا حققناه في
الفائدة الخامسة عشرة من الفوائد الّتي في شرح مقبولة عمر بن حنظلة، و من
الدرة الموضوعة في البحث مع صاحب (الفوائد المدنية) في هذه المسألة، فلا
حاجة إلي الإطالة هنا بإعادته، فارجع إليه يتضح لك ما في هذه الدعوي،
و يظهر لك ما هو الأرجح و الأقوي.
وفي عرضه للفرق الخامس قال: أنّ المجتهدين ينوّعون
الأحاديث إلي أربعة أنواع: صحيح، و حسن، و موثّق، و ضعيف، و الأخباريّين إلي
صحيح، و ضعيف. و التحقيق: أن غير الصحيح من الحسن و الموثّق إن جاز
العمل به فهو صحيح، و إلّا فهو ضعيف. فالاصطلاح مربع لفظا، و مثنّي معني.
وفي عرضه للفرق السادس قال: أن المجتهدين يفسّرون
الصحيح بما رواه الإمامي العدل الثقة عن مثله إلي المعصوم، و الحسن:
ما کان رواته أو أحدهم إماميّا ممدوحا غير منصوص عليه بالتوثيق. ثم
ذكر قسم الموثّق و الضعيف باصطلاحهم. إلي أن قال: (و الأخباريّين يفسّرون
الصحيح بما صحّ عن المعصوم و ثبت، و مراتب الصحة [و الثبوت] تختلف، فتارة
بالتواتر، و تارة بأخبار الآحاد المحفوفة بالقرائن الّتي تشهد بصحة الخبر). ثم
ذكر القرائن الموجبة لصحة الأخبار کما ذكره الشيخ في (العدّة) و غيره.
و الجواب عن هذين الوجهين أنه و إن جعلهما
وجهين لتكثير العدد، إلّا إنّ مرجعهما إلي أمر واحد کما لا يخفي علي المتأمل،
و مع هذا فيرد عليه:
أولا: أن هذا الاصطلاح باتّفاق الكل إنّما
حدث من عصر العلّامة- عطّر اللّه مرقده- فهو اصطلاح محدث من مجتهدي المتأخرين،
و أمّا مجتهدو المتقدّمين- كالشيخ الطوسي، و شيخه المفيد، و السيد المرتضي،
و أضرابهم و أتباعهم إلي عصر العلّامة- فطريقهم في الأخبار بالنسبة إلي
الوجهين المذكورين إنّما هو طريق الأخباريّين. فكيف يصلح هذا وجها فارقا
بين المجتهدين مطلقا و الأخباريّين، و أساطين المجتهدين المعتمدين لم يروا
هذا الاصطلاح و لم يذكره بالكلّية؟ ما هذا إلّا خلط واضح و عثار فاضح.
و لو تمّت هذه الدعوي بالنسبة إلي بعض
المجتهدين لجاز للخصم أن يغلّبها عليه، فيقول: إن المجتهدين و الأخباريين
متفقون علي عدم هذا الاصطلاح.
و بطلان ما يتفرّع عليه باعتبار ما عليه
متقدّموهم الذين عليهم المعوّل.
و ثانيا: أن أصحاب هذا الاصطلاح و إن صرّحوا
به کما نقل، إلّا إنك تري أكثرهم في كتب الاستدلال لا يخرجون من كلام
المتقدمين من العمل بالأخبار الضعيفة باصطلاحهم، و يتسترون عن مخالفة ذلک
الاصطلاح بأعذار؛ منها قبولمراسيل إبن أبي عمير و مثله ممّن أجمعت العصابة
علي تصحيح ما يصحّ عنه، فإنهم لا يرسلون إلّا عن ثقة.
و منها تصحيح الحديث المشتمل علي بعض مشائخ
الإجازة و إن لم ينصّ عليه بتوثيق.
و منها كون الخبر مرويا في كتاب (من لا
يحضره الفقيه)، بناء علي ما ضمّنه صاحبه في صدر كتابه.
و منها كون ذلک الرجل ألذي به ضعف الحديث
من أصحاب الاصول.
و منها كون الحديث مجبورا بالشهرة.
و منها كونه متفقا علي العمل بمضمونه.
و أمثال ذلک ممّا يقف عليه المتتبع لكلامهم.
و بالجملة، فإنّك إذا تتبعت كلامهم وجدت أنهم
لا يخرجون عن طريقة المتقدّمين إلا نادرا. و حينئذ فمجرّد ذكرهم هذا التقسيم
و الاصطلاح کما شنّع به- مع كون عملهم علي ما ذكرناه- لا يوجب
فرقا معنويا حقيقيا.
و بالجملة، فكلامه قدّس سرّه
هنا ممّا لا محصّل له عند ذوي التحصيل إلّا مجرّد تكثير القال و القيل.
وفي عرضه للفرق السابع قال: أن المجتهدين يحصرون
الرعية في صنفين: مجتهد، و مقلّد، و الأخباريّين يقولون: إن الرعيّة كلّها مقلّدة
المعصوم و لا مجتهد أصلا.
الجواب أنك قد عرفت في جواب الوجه الثالث
أن الناس في زمن الغيبة لا يخرجون عن القسمين المذكروين، سواء عبّر عن
ذينك القسمين بلفظ (مجتهد) و (مقلّد)، أو لفظ (عالم) و (متعلّم)، أو لفظ (فقيه)
و (متفقّه)؛ إذ لا مشاحّة في التسمية إذا کان المعني واحدا. و إنّما يظهر
الخلاف و النزاع فيما إذا کان العالم و الفقيه و المجتهد يستند في استنباط
الأحكام إلي غير (الكتاب) و السنّة، و إلّا فمتي کان أدلته الّتي يستنبط
منها الأحكام مخصوصة بهذين الدليلين فهو ممّا لا خلاف في وجوب اتباعه إذا
استكمل باقي الشروط من [العلم] و التقوي و الزهد و نحوها، إن سمّيته مجتهدا
أو سمّيته أخباريا. و حينئذ فمرجع هذا الوجه إلي الوجه الأوّل کما لا
يخفي.
و أمّا قوله: (إن الرعية كلّها مقلّدة المعصوم)،
فهو علي إطلاقه محلّ نظر؛ لأن التقليد- کما عرّفوه- عبارة عن قبول
قول الغير من غير دليل، و هذا المعني لا يتمّ بالنسبة إلي العامي، بل
بالنسبة إلي الفقيه الأخباري فيما إذا احتاج الحكم إلي استنباط و مزيد تأمّل
في الأدلة؛ لما حققناه في الدرة الموضوعة في البحث مع صاحب (الفوائد المدنية)
من تفاوت الأفهام في مراتب الإدراك، و أن جلّ الاختلافات بين العلماء
إنّما نشأت من ذلک؛ و لهذا اختلف الأخباريون في المسائل کما قد اختلف
المجتهدون، کما فصّلنا جملة من ذلک في الدرة المشار إليها.
و حينئذ، فالعامي إنّما أخذ بقول هذا الأخباري
ألذي أفتاه بناء علي ما فهمه من الأخبار، و أن الحكم في تلك المسألة
كذلك، فكيف يکون مقلّدا للإمام، و الأخباري الآخر يفتي بخلافه باعتبار ما
أدّي إليه فهمه و وصل إليه إدراكه؟
و حينئذ، فكيف يمكن أن يقال: إن هؤلاء العلماء
الأخباريين مع اختلافهمكلّهم مقلّدون للإمام، و أتباعهم أيضا مقلّدون للإمام؟
ما هذا إلّا تعسف ظاهر.
وفي عرضه للفرق الثامن قال: أن المجتهدين يقولون:
طلب العلم في زمن الغيبة بطريق الاجتهاد، و في زمن الحضور بالأخذ من المعصوم
و لو بالوسائط، و لا يجوز الاجتهاد حينئذ، و هو طريق الأخباريّين، و الأخباريين
لا يفرّقون بين زمن الغيبة و الحضور، بل «حلال محمّد حلال إلي يوم القيامة،
و حرامه حرام إلي يوم القيامة» لا يکون غيره و لا يجيء غيره؛ کما
في الحديث.
و الجواب أن هذا الوجه أيضا يرجع إلي
الاختلاف في الأدلة، فإنّه متي کان ذلک العالم- إن سمّي مجتهدا أو
أخباريّا- إنّما استند في الأحكام الشرعية إلي (الكتاب) و السنّة، فإنه لا
خلاف في صحّة ما بني عليه، و لا خلاف في جواز الأخذ عنه و العمل بقوله.
و أمّا أن زمن الغيبة و زمن الحضور واحد بالنسبة
إلي الرعية فهو غلط محض؛ لما عرفت في جواب الوجه الثالث. و الإيراد بالحديث
المذكور إنّما يتجه لو قلنا بجواز الاجتهاد علي طريق العامّة من الاستناد إلي
الآراء و الأقيسة و العقول؛ لاختلافها و اضطرابها.
نعم، ربّما يتفق ذلک أيضا مع الاستناد إلي
(الكتاب) و السنّة في مقام اختلاف الأفهام و تفاوت الأنظار، کما هو الواقع
بين العلماء في جملة الأمصار؛ من مجتهد و أخباري، کما أوضحنا ذلک في الدرة
الموضوعة في البحث مع صاحب (الفوائد المدنية)، و إن کان الأخباريّون ينكرون
ذلک، و يدّعون أن الاختلاف الواقع بينهم إنّما نشأ من اختلاف الأخبار، إلّا
إنّا قد أوضحنا في الدرة المشار إليها ما يردّ هذه الدعوي، و بيّنا أن الاختلاف
الواقع بينهم علي حسب الاختلاف الواقع بين المجتهدين، من أنه ربّما نشأ
من اختلاف الأخبار، و ربّما نشأ من اختلاف الأفهام، ألذي هو السبب التام
في أكثر الأحكام.
و بالجملة، فإن كلامه يدور في جميع هذه الوجوه
علي الاجتهاد بمعني الأخذ بالآراء و الظنون المستندة إلي غير (الكتاب) و السنّة،
و هو حق لو کان إطلاق الاجتهاد مخصوصا بهذا المعني، و إلّا فالاجتهاد- علي
ما عرّفوه- إنّما هو عبارة عن استفراغ الوسع في تحصيل الأحكام من أدلتها
الشرعيّة.
و الخلاف بين المجتهدين و الأخباريين هاهنا-
في التحقيق- يرجع إلي تلك الأدلة، فالأخباريّون يخصّونها ب (الكتاب) و السنّة،
أو بالسنّة وحدها علي رأي بعضهم. و المجتهدون يفسّرونها في الاصول بالأربعة
المشهورة، و إن كانوا في الكتب الاستدلالية يناقشون فيما عدا (الكتاب) و السنّة،
کما تقدم ذكره في المقام و في غير موضع من الدرر المتقدّمة في هذا
الكتاب.
و حينئذ، فتعريف الاجتهاد صادق علي من اقتصر
في استنباط الأحكام علي (الكتاب) و السنّة و إن کان الأخباريون يتحاشون
عن التعبير به؛ للطعن علي المجتهدين، و هو في غير محلّه کما لا
يخفي علي المنصف.
و كيف کان، فمع فرض خروج بعض المجتهدين
في بعض جزئيّات الأحكام عن الأخذ ب (الكتاب) و السنّة و العمل بالاستنباطات
الظنّية المحضة، فهو لا يوجب طعنا في أصل الاجتهاد بالمعني ألذي ذكرناه،
کما أن بعض الأخباريّين لو خرج في فهمه الخبر عن كافة أفهام العلماء
الأعلام، بحيث يصير ذلک غلطا ظاهرا لجميع ذوي الأفهام، فإنّه لا يوجب طعنا
علي طريقة أهل الأخبار، کما وقع للصدوق قدّس سرّه في غير موضع من الأحكام
، و اللّه العالم.
• بداية
استهدافه ومجابهته من مناوئيه :
بعد أن اتسعت زعامة صاحب الحدائق واطبقت شهرته في
العالم الإسلامي كمرجع اعلى للطائفة الشيعية حيث هيمن على البحث والتدريس في الحوزة
العلمية لفترة طويلة من الزمن كانت من اهم المراحل التي دونت فيها المجاميع الفقهية
واستقرت فيها الحوزة العلمية ، ظهر في كربلاء بعد سنة 1160 هـ المحقق الشيخ محمد باقر
البهبهاني المتوفي سنة 1205 هـ كأكبر منافس لصاحب الحدائق حيث بدأ بظهوره في كربلاء
بداية النزاع الأصولي الأخباري الذي اشتد كثيراً ولم تفلح محاولات الشيخ يوسف في التقريب
بين الطرفين حيث تجلى ايمانه وتقواه في ذلك الصراع الرهيب عندما حرم البهبهاني الصلاة
خلفه وجوز هو الصلاة خلف البهبهاني وانتقد صاحب روضات الجنات منع الوحيد البهبهاني
الطلاب من حضور درس صاحب الحدائق وذكر أن السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض كان مولعا ومحباً لصاحب الحدائق ولم يستطع حضور
درسه للمنع الصادر من الوحيد حتى استطاع أن يعين له وقتاً مع صاحب الحدائق ويحضر سراً
وخلسةً دروس صاحب الحدائق من دون أن تراه الأعين ، بدأت محاولات إستهداف صاحب الحدائق
بشكل علني وسافر ومحاولة عزله يقول صاحب الروضات
منتقدا الشيخ الوحيد ماهدا نصه ...( والعجب من سمينا العلامة المروج كيف أنكر سيرة
هذا الرجل الجليل في زمن حياته وشدد الملامة والتبخيل على من حضر إفاداته بحيث نقل
أن ابن أخته الفاضل صاحب رياض المسائل كان من خوفه يدخل على ذلك الجناب سراً ويقرأ
عليه ما كان يقرأ عليه ليلاً ومتخافتاً لا جهراً.
وإن كان سمينا سيدنا الآخر سيدنا الفقيه عامله الله
بفضل ما لديه وملا بالمواهب من سوابغ فضله شافهني بمثل هذه المحادثة ( روضات الجنات
ج8 ص202.).
بعد محاولات إستهدافه رأى شيخنا على الرغم مما كان
عليه من قوة نفوذ وشوكة وجوب الهجرة والانزواء لتلافي التصادم وتطور المواجهة الى ما
لايحمد عقباه واستغلالها من الحاقدين والحاسدين والجهلة فإنزوى محتسباً صابرا منقطعا
الى الله سبحانه وتعالى مكبا على اتمام كتبه ومؤلفاته وادارة مرجعيته الى أن أختاره
الله سبحانه وتعالى والتحق بجوار ربه سنة 1186 هـ بعد حياة حافلة بالعلم النافع والعمل
لخدمة الدين الحنيف .
ومن أخلاقه العالية الرفيعة وإيمانه العميق أوصى
أن يصلي على جنازته الوحيد البهبهاني مع أنه كان مناوئا له .
لم يتوقف النزاع الفكري بين الأخباريين والاصوليين
بوفاة الشيخ يوسف البحراني وانما استمر على اشده وخصوصا عندما ظهر في الواجهة الميرزا
محمد جمال الدين الاخباري المتوفي سنة
1232 هـ الدي كان من اشد المناضلين عن الاخباريين وكتب مجموعة من المؤلفات :
1 ـ منية المرتاد في ذكر نفاة الاجتهاد .
2 ـ الرسالة البرهانية في الفرق بين الاحكام والموضوعات
3 ـ معاول العقول في قطع اساس الاصول
4 ـ كشف القناع عن عورة الاجماع .
5 ـ مصادر الانوار في الاجتهاد والاخبار
• منهج
الشيخ البحراني في الاستدلال الفقهي :
بقي المنهج الاخباري موزعاً في الكتب الاخبارية التي
ألفت لنقد المنهج الاصولي ، ككتب المحدث الاسترآبادي ، والفيض الكاشاني ، والشيخ حسين
بن شهاب العاملي ، وغيرهم ممن له مدونات وكتب تعكس وجهة نظر المدرسة الاخبارية .
وانفرد الشيخ الفقيه البحراني (رحمه الله) عن اسلافه
من علماء الاخبارية من خلال
تطبيق منهجه في كتابه القيم ( الحدائق الناضرة )
وان لم يقدّر له ان يدوّنه بشكل نظري متكامل ومستقل كما صنع الاسترآبادي في ( الفوائد
) والفيض الكاشاني
في جملة من مؤلفاته التي كرسها لتفنيد المنهج الاصولي
وتأييد المنهج الاخباري مثل ( الاصول الأصيلة ) وغيرها ، او كما فعل العامليان الشيخ
الحر والشيخ حسين في ( هداية الامة ) و ( هداية الأبرار ) وغيرها من المؤلفات .
إلاّ ان الخطوط العامة للفكر الاخباري عند الفقيه
البحراني (رحمه الله) مبثوثة في كتابه القيم ( الدرر النجفية ) فانه (رحمه الله) افاض
الكلام في المسائل الخلافية التي بين المجتهدين والاخباريين ، وبيّن رأيه في كل مسألة
مع اقامة البرهان عليه، كذلك الامر في المقدمات الاثنتي عشرة التي قدمها لكتابه ( الحدائق
الناضرة ) .
وباستطاعة الباحث استخلاص المنهج النظري للفقيه البحراني
(رحمه الله) وبكل خطوطه وقواعده من خلال كتاب ( الحدائق ) .
اما منهجه واختلافه عن منهج من سبقه من أعلام الاخباريين
في المرحلة الأُولى امثال الاسترآبادي ، والكاشاني ، والعامليين الحر والكركي، فيمكننا
ان نلخصه
بما يلي
:
- اولا : في ظواهر القرآن الكريم :
تعرض لذكر هذه المسألة في المقدمة الثالثة من ( الحدائق
) وذكرها بشيء من التفصيل في ( الدرر النجفية ). قال : المقام الأول : « في الكتاب العزيز :
« ولا خلاف بين اصحابنا الاصوليين في العمل به في الأحكام الشرعية والاعتماد
عليه ، حتى صنف جملة منهم كتباً في الآيات المتعلقة بالأحكام الفقهية وهي خمسمائة آية
عندهم .
واما الاخباريون فالذي وقفنا عليه من كلام متأخريهم
ما بين افراط وتفريط ،
فمنهم من منع فهم شيء منه مطلقاً حتى مثل قوله : « قل هو الله احد » إلاّ بتفسير من اصحاب العصمة
(عليهم السلام) . ومنهم من جوز ذلك حتى كاد يدعي المشاركة لاهل العصمة (عليهم السلام)
في تأويل مشكلاته وحل مبهماته .
والتحقيق في المقام ان يقال : إن الاخبار متعارضة من الجانبين ، ومتصادمة من
الطرفين ، إلاّ أن أخبار المنع أكثر عدداً ، واصرح دلالة ».
ثم يذكر جملة من الروايات المتعارضة بنظره في المقام
وبعد ان يطبق عليها قواعد التعارض ينتهي إلى ترجيح روايات المنع ، ورد ما يعارضها
.
وهذا يسلمنا في النتيجة إلى انه (قدس سره) يوحّد
مصدري الكتاب والسنة بسنة
أهل البيت (عليهم السلام) .
وهي نفس النتيجة التي انتهى إليها الحر العاملي
(رحمه الله) حيث عقد لهذه المسألة باباً وعنوانه ( عدم جواز استنباط الأحكام النظرية
من ظواهر القرآن إلاّ بعد معرفة تفسيرها من الأئمة ) .
- ثانياً : في تنويع الاخبار إلى انواعه الأربعة المعروفة :
فقد ذهب إلى بطلان التنويع ، وعقد المقدمة الثانية
من كتاب ( الحدائق ) لذلك ـ واثبت صحة جميع الاخبار وابطال هذا الاصطلاح في تنويع الحديث
إلى الانواع الاربعة وخَلُص إلى « ثبوت صحة تلك الاخبار عندنا والوثوق بورودها عن أصحاب
العصمة (عليهم السلام) ».
فعند متأخري الأصوليين قسمت الأخبار من حيث مستوى
أسانيدها إلى الأقسام الأربعة المعروفة: الصحيح والحسن والموثق والضعيف.
أما عدا الإخباريين وفي طليعتهم الشيخ يوسف فقسمت إلى قسمين فقط هما: الصحيح والضعيف، أو قل:
المعتبر وغير المعتبر، وهو التقسيم المعروف عند قدامى الأصحاب قبل التقسيم الرباعي
المشار إليه.
ويعرّف المحقق البحراني الحديث الصحيح وفق التقسيم
الثنائي في (المقدمة الثانية) من مقدمات الحدائق فيقول: ((وأما المتقدمون فالصحيح عندهم
هو ما اعتضد بما يوجب الاعتماد عليه من القرائن والإمارات التي ذكرها الشيخ – قدس سره
– في كتاب (العدة )، وعلى هذا جرى جملة من أصحابنا المحدّثين وطائفة من متأخري متأخري
المجتهدين كشيخنا المجلسي – رحمه الله – وجمع ممن تأخر عنه " .
- ثالثاً : في اعتبار مرويات الكتب المعتبرة ، وعدم اختصاص
الصحة باخبار الكتب الأربعة .
ففي ( تتمة ) للمقدمة الثانية من مقدمات ( الحدائق
) ذهب إلى عدم انحصار الصحة في الكتب الأربعة المشهور .
ثم ينقل كلام المحدث الجزائري في شرحه على التهذيب
الذي يقول فيه : « والحق ان هذه الاصول الاربعة
لم تستوف الاحكام كلها ، بل قد وجدنا كثيراً من الاحكام في غيرها ، مثل عيون أخبار
الرضا ، والامالي ، وكتاب الاحتجاج ، ونحوها ، فينبغي مراجعة هذه الكتب واخذ الأحكام
منها ، ولا يقلد العلماء في فتاويهم فان اخذ الفتوى من دليلها هو الاجتهاد الحقيقي
... .
ثم يضيف إلى تلك الكتب كتاب الفقه الرضوي فيقول : « وخصوصاً كتاب الفقه الرضوي ... فانه اشتمل على
مدارك كثيرة للاحكام وقد خلت عنها هذه الاصول الاربعة وغيرها » .
ثم يعقب على كلامه بقوله : « وقد اجاد فيها ، وحرر ، وفصل ، وأشاد وطبق المفصل
، وعليه المعتمد والمعول »
- رابعاً : في الاجماع
:
يذهب في مسألة الاجماع مذهب الاصولية ، وتبنى قول
المحقق الحلي في « المعتبر » الذي مفاده :
« وأما الإجماع فهو عندنا حجة بانضمام المعصوم ... » إلاّ إنه يشكك في حصول هكذا اجماع
بقوله « على ان تحقق هذا الاجماع في زمن الغيبة متعذر ، لتعذر ظهوره (عليه السلام)
وعسر ضبطه العلماء على وجه يتحقق دخول قوله في جملة اقوالهم » ثم يقول : « ... وعلى هذا فليس في عد الاجماع في الادلة
إلاّ مجرد تكثير العدد واطالة الطريق ... »
يلخص الشيخ (قدس سره) رأيه في مشروعية الإجماع –
في المقدمة الثالثة من مقدمات هذا الكتاب - بقوله :" المقام الثاني في الإجماع
ومجمل الكلام فيه ما أفاده المحقق – طاب ثراه – في المعتبر واقتفاه فيه جمع ممن تأخر،
قال – قدس سره-: (أما الإجماع فهو عندنا حجة بانضمام المعصوم، فلو خلا المائة من فقهائنا
عن قوله لما كان حجة، ولو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار
قوله - عليه السلام – فلا تغتر إذاً بمن يتحكم فيدعي الإجماع باتفاق الخمسة والعشرة
من الأصحاب مع جهالة قول الباقين) - انتهى – وحينئذ فالحجة هو قوله – عليه السلام-
لا مجرد الاتفاق، فيرجع الكلام – على تقدير ثبوت الإجماع المذكور – إلى خبر ينسب إلى
المعصوم –عليه السلام –إجمالاً، وترجيحه على الأخبار المنسوبة إليه تفصيلاً غير معقول،
وكأنهم زعموا أن انتسابه إليه في ضمن الإجماع قطعي، ولا في ضمنه ظني . وهو ممنوع.
على إن تحقق هذا الإجماع في زمن الغيبة متعذر، لتعذر
ظهوره -عليه السلام- وعسر ضبط العلماء على وجه يتحقق دخول قوله في جملة أقوالهم ؟،
إلا أن ينقله ذلك بطريق التواتر والآحاد المشابه له نقلا مستنداً إلى الحس، بمعاينة
أعمال جميع من يتوقف انعقاد الإجماع عليه، أو سماع أقوالهم على وجه لا يمكن حمل القول
والعمل على نوع من التقية ونحوا، ودونه خرط القتاد، لم يعلم يقينا من تشتت العلماء
وتفرقهم في أقطار الأرض بل انزوائهم في بلدان المخالفين وحرصهم على أن لا يطلع احد
على عقائدهم ومذاهبهم ))
-
خامساً : في دليل العقل والاصول المستفادة منه :
فانه يذهب إلى نفي اعتبار العقل مصدراً من مصادر
الفقه .
كما انه يذهب إلى ان الاصول الفقهية المستفادة من
دليل العقل ـ هي الأُخرى ـ غير معتبرة ، والمعتبر عنده هو الاصول المستفادة من احاديث
اهل البيت (عليهم السلام) .
قال في المقدمة الثالثة من ( الحدائق ) : « وأما الثالث ـ من معاني الاصل وهو القاعدة ـ
فان كانت تلك القاعدة مستفادة من الكتاب والسنة فلا اشكال في صحة البناء عليها ، ومنها
قولهم : الاصل في الاشياء الطهارة ـ أي القاعدة
المستفادة
من النصوص وهي قولهم (عليهم السلام) : « كل شيء طاهر حتى تعلم انه قذر » ـ تقتضي طهارة
كل شيء »
ولازم كلامه (قدس سره) عدم صحة البناء على القاعدة
المستفادة من غير الكتاب والسنة وهي المستفادة من دليل العقل
عقد (قده) المقدمة العاشرة للبحث في حجية الدليل
العقلي وعدمه
بعد تناوله الرأي الأصولي بالنقد أبدى رأيه في المسألة
فقال: " ولا ريب أن الأحكام الفقهية من عبادات وغيرها كلها توقيفية إلى السماع
من حافظ الشريعة، ولهذا قد استفاضت الأخبار - كما قد مر بك الإشارة إلى شطر منها في
المقدمة الثالثة- بالنهي عن القول في الأحكام الشرعية بغير سماع منهم – عليهم السلام
– وعلم صادر عنهم – صلوات الله عليهم – ووجوب التوقف والاحتياط مع عدم تيسر طريق العلم
ووجود الرد عليهم في جملة منها، وما ذاك إلا لقصور العقل المذكور عن الإطلاع على أغوارها،
وإحجامه عن التلجلج في لجج بحارها. بل لو تم للعقل الاستقلال بذلك لبطل إرسال الرسل
وإنزال الكتب ومن ثم تواترت الأخبار ناعية أصحاب القياس بذلك"
وقال:"إن كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهياً
ظاهر البداهة كقولهم: (الواحد نصف الاثنين) فلا ريب في صحة العمل به، والاّ فان لم
يعارضه دليل عقلي ولا نقلي فكذلك،وان عارضه دليل عقلي آخر فان تأيد أحدهما بنقلي كان
الترجيح للمؤيد بالدليل النقلي والاّ فإشكال، وان عارضه دليل نقلي فان تأيد ذلك العقلي
أيضاً بنقلي كان الترجيح للعقلي، إلاّ هذا في الحقيقة تعارض في النقليات والاّ فالترجيح
للنقلي وفاقاً للسيد المحدث المتقدم ذكره وخلافاً للأكثر.
هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق، أما لو أريد به
المعنى الأخص وهو الفطري الخالي من شوائب الوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام وان
شذ وجوده بين الأنام ففي ترجيح النقلي عليه إشكال والله العالم "
- سادساً : في الاجتهاد والتقليد :
لم يتعرض الفقيه البحراني (قدس سره) إلى ذكر الاجتهاد
والتقليد ، وما يتبناه فيهما من رأي في مقدمات ( الحدائق ) ولا في ( الدرر ) .
إلاّ ان المتأمل في منهجه الاستدلالي يجزم بانه يقول
بهما ، شريطة ان يكون المجتهد اخبارياً في منهج استدلاله وطريقة فتواه .
وقد صرح (قدس سره) بهذا المعنى في كتابه المعروف
بـ ( الكشكول ) في مسألة
القضاء لغير المجتهد عند فقد المجتهد ، حيث قال : « بل الذي تضمنته تلك الاخبار هو الرجوع إلى من
تمسك بذيل الكتاب والسنة وأمن العثار ، ومدار احكامه انما هو عليهما في الايراد والاصدار
، فالعمل بحكمه عمل بحكمهم (عليهم السلام)
والراد عليه راد عليهم في حلال او حرام » .
وقال في المصدر نفسه : « إذا عرفت ذلك ، فاعلم ان المأمور بتقليده في
احكامهم ، والقبول عنه لما ينقل عنهم ، هو الذي اشار إليه (عليه السلام) في مقبولة
عمر بن حنظلة بقوله : ( ينظر إلى من كان منكم
قد روى حديثنا ، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا ، فارضوا به حكماً ، فإني قد
جعلته عليكم حاكماً ... ) ثم استشهد بروايات أُخرى ، منها التوقيع الوارد عن الامام
الحجة ( عج ) :
« واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم
وانا حجة الله »
إلى هنا تنتهي هذه الجولة المختصرة في منهج المحدث
والفقيه الشيخ يوسف البحراني واختلاف منهجه عن العلماء الاخباريين الذين كانوا في المرحلة
السابقة على مرحلته ، ومرد ذلك الاختلاف إلى أمرين :
الأول :
جعله الاجماع من مصادر الفقه ، ولو نظرياً .
ثانياً
: قوله بالاجتهاد والتقليد ، وتقيد ذلك بكون المجتهد اخبارياً فيمنهج استدلاله
• ونخلص من هذا إلى النتائج
التالية:
1- إن المحقق البحراني يلتقي برأيه في الإجماع مع الرأي الأصولي القائل
بحجية الإجماع الكاشف عن رأي المعصوم إلا انه يذهب إلى تعسر تحقيقة إن لم يكن متعذرا.
2- انه يلتقي برأيه في العقل مع الرأي الأصولي القائل بحجية العقل الفطري
الذي يراد به المدركات البديهية الا انه يذهب إلى ندرته وقلة وجوده.
رأينا فيما تقدمه من خلال ما توصل إليه ا(قده) من
آراء في قضايا ومسائل أصول الفقه الذي يمثل منهج البحث الفقهي إن المحقق البحراني كان
عاملا قويا في التقريب بين منهجي المدرستين الفقهيتين الأماميتين الإخبارية والأصولية،
ففي الإجماع –مثلا- قال بحجية الكاشف منه ولو نظريا وكذلك قال بحجية العقل الفطري.
الاصول العملية
وأهم ما اختلفت فيه المدرستان من مسائل المنهج –
على الإطلاق ما نحن الآن في صدد طرحه والحديث فيه وعنه وهو ما يعرف في الدرس الأصولي
ب (الشبهات الحكمية التحريمية) فقد تركز الخلاف فيها واستحكم، حتى عدت أهم أو المسألة
الوحيدة التي تمثل قمة الخلاف بين المنهجين وعند القبيلين.
وتتمحور نقطة الخلاف في تحديد وتعيين الأصل العملي
الذي يرجع إليه في الحالات التالية:
1- فقدان النص الشرعي الذي يمكن أن يستفاد منه الحكم الشرعي.
2- إجمال النص الشرعي إجمالا تسد معه جميع أبواب التفصيل.
3- تعارض النصيين الشرعيين تعارضا مستحكما لا يستطاع معه حل مشكلة التعارض.
في مثل هذه الحالات:
- يعتبر الأصوليون الشك في هذه الشبهة شكاً في أصل التكليف ويجرون لرفع
هذا الشك أصالة البراءة (أي براءة ذمة المكلف من التكليف) مستندين بذلك للقاعدة العقلية
المعروفة وهي (قبح العقاب بلا بيان) ويعنون بالبيان هنا الخطاب الشرعي الذي يوجهه المشرع
المقدس إلى المكلفين عن طريق النصوص الشرعية.
فهم يقولون: حيث نفتقد النص الشرعي الحامل للخطاب
الشرعي لأنه لم يصل إلينا نشك في إنا مكلفون أو غير مكلفين وببركة أصالة البراءة نكتشف
أننا غير مكلفين.
- بينما يذهب الإخباريون إلى أن الشك هنا شك في المكلف به لان خطاب
التكليف قد وصل إلينا بوصوله إلى الأئمة المعصومين (ع) وفقدانه عندنا لأسباب لا يعني
عدم وصوله.
ومن هنا يجرون أصالة الاحتياط، وفحواها: أن يأتي
المكلف من الفعل او الترك ما يحرز معه فراغ ذمته من التكليف.وأدلى كل من الفريقين بأدلته
في المقام .
الاحتياط :
خصص المحقق
البحراني المقدمة الرابعة من مقدمات هذا الكتاب للاحتياط بدأها بعض آراء المدرستين
مع شيء من مناقشة بعضها، ثم قال: " والتحقيق في المقام – على ما أدى إليه النظر
القاصر من أخبار أهل الذكر- عليهم السلام – هو أن يقال: لاريب في رجحان الاحتياط شرعاً
واستفاضة الأمر به.... وهو عبارة عما يخرج به المكلف من عهدة التكليف على جميع الاحتمالات،
ومنه ما يكون واجباً، ومنه ما يكون مستحباً ))
ويقول:"إن الاحتياط قد يكون متعلقاً بنفس الحكم
الشرعي وقد يكون متعلقاً بجزئيات الحكم الشرعي وأفراد موضوعه.
وكيف كان فقد يكون الاحتياط بالفعل وقد يكون بالترك
وقد يكون بالجمع بين الأفراد المشكوك فيها،....،
فمن الاحتياط الواجب في الحكم الشرعي المتعلق بالفعل
ما إذا اشتبه الحكم من الدليل بان تردد بين احتمالي الوجوب والاستحباب، فالواجب التوقف
في الحكم والاحتياط بالإتيان بذلك الفعل"
"ومن هذا القسم أيضا ما تعارضت فيه الأخيار على وجه يتعذر الترجيح
بينهما بالمرجحات المنصوصة، فان مقتضى الاحتياط التوقف عن الحكم ووجوب الإتيان بالفعل
متى كان مقتضى الاحتياط ذلك.
ومن هذا لقسم أيضا ما لم يرد فيه نص من الأحكام التي
لا تعم بها البلوى عند من لم يعتمد على البراءة الأصلية، فان الحكم فيه ما ذكر – كما
سلف بيانه في مسالة البراءة الأصلية"
ولمعرفة تفصيلات المسالة تقرأ المقدمة المذكورة.
• مؤلفاته : نذكر منها
ما يلي :
1ـ الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة .
2ـ الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية .
3ـ لؤلؤة البحرين في الإجازة لِقُرَّتي العينيين .
4ـ أنيس المسافر وجليس الحاضر ، واشتهر بـ( كشكول البحراني ) .
5ـ الأربعون حديثاً في مناقب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) .
6ـ سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد .
7ـ الشهاب الثاقب في بيان معنى الناصب وما يترتّب عليه من المطالب
.
8ـ الصوارم القاصمة لظهور الجامعين بين ولد فاطمة .
9ـ كشف القناع عن صريح الدليل في الردِّ على من قال في الرضاع .
10ـ قاطعة القيل والقال في انفعال الماء القليل .
11ـ الكنوز المودعة في إتمام الصلاة في الحرم الاربعة ( مكّة ، والمدينة
، وكربلاء ، والكوفة ) .
12ـ عقد الجواهر النورانية في أجوبة المسائل البحرانية .
13ـ النفحات الملكوتية في الردِّ على الصوفية .
14ـ أعلام القاصدين إلى مناهج أصول الدين .
15ـ النبيه في شرح من لا يحضره الفقيه .
16ـ مناسك الحج .
17ـ ميزان الترجيح في أفضلية القول فيما عدا الأوليين بالتسبيح .
اعداد وتتبع الرجي رحمة ربه : علي المعلم - القطيف الجارودية
اعداد وتتبع الرجي رحمة ربه : علي المعلم - القطيف الجارودية



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق