الشهيد الصدر... رائد التجديد في مسيرة الفكر البشري
- في تاريخنا المعاصر تشكل تجربة الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر" اغنى تجربة في مسيرة الإسلام الحركي الذي يعد رائد التجديد في حقول المعرفة البشرية ومسيرة الفكر الإنساني.
- الإمام الصد كان مرجعاً دينياً حملَ لواء التغيير والإصلاح والنهوض للحوزة العلمية حيث أعطى للمرجعية الرشيدة صورتها المشرقة في قيادة الأمة ومُتطلبات العصر وهو المفكر الإسلامي الذي نقلَ واقع المواجهة الفكرية بين الإسلام وخصومه فطرحَ الإسلام بديلاً حقيقياً يشبعُ حاجات الإنسان المتعطشة للمعرفة والتجديد وهو الداعية الرائد الذي خطط بوعي ومسيرة في حمل الدعوة الإسلامية وإيصالها إلى أوسع قطاعات الأمة وتثقيف الجماهير وإعلاء كلمة الإسلام، وهو القائد المجاهد الذي تصدى لأعتى نظام فاسد عرفه الإنسان في تاريخنا المعاصر ودافع عن أمته وشعبه وقدم دمهُ الزكي قُرباناً من أجل الإنسان والإسلام، كان ضمير الأمة وقلبها النابض وعقلها الواعي وفكرها المبدع.
- لقد أستطاعَ أن يُفندَ النظريات الماركسية في أطروحاتها المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية والنظرية الرأسمالية ويثبت فشلها الذريع في حل مشاكل العالم الإقتصادي، حيث جاء التحدي صارخاً وواضحاً للفكر الإسلامي خصوصاً في مطلع القرن العشرين حينما عاش العالم تحت سيطرة القطبين ”الأمريكي الرأسمالي والسوفيتي الاشتراكي“.
مما أدى إلى هبوب رياح فلسفاتهم المتعددة المادية والمثالية والوجودية.... حاملة لواء التحدي للفكر الإسلامي الذي كان متأثراً بالظروف العصيبة التي تعيشها الأمة الإسلامية بسبب انحسار الإسلام اجتماعياً وسياسياً وخضوع المجتمعات الإسلامية تحت السيطرة الاستعمارية المباشرة وغير المباشرة، فكانت من جملة التحديات ادعاء الماركسيين والرأسماليين أن الإسلام ليس له مذهب اقتصادي وكان هذا تحديا للمسلمين جميعا وقد تصدى بعض علماء الإسلام من أجل تحديد واكتشاف المذهب الاقتصادي الإسلامي، ولكن لم تسفر محاولاتهم عن شيء سوى الجهود الشريفة المبذولة من قبلهم، لكن الأمر اختلف اختلافا جوهريا عند الشهيد محمد باقر الصدر «قد» فقد كشف النقاب عن المذهب الاقتصادي الإسلامي من خلال كتابه الرائع اقتصادنا ولم يتجاوز عمر الشهيد الصدر العقد الثالث.
أما من الناحية الفلسفية فقد تعرض الفكر الإسلامي إلى تحدي واسع من قبل فلسفات متعددة كان أغلبها فلسفات حديثة تبلورت عن المذهب التجريبي الذي حاول مفكروه أن يفلسفوا الاتجاه الحسي للمعرفة بما يتناسب مع تفسيرهم المادي وأبرز تلك الفلسفات الفلسفة الماركسية ”المادية الديالكتيكية ومفهومها المادي للكون“ وقد تصدى هذا المفكر العظيم لكل تلك الفلسفات الحديثة بما فيها الماركسية من خلال كتابه العظيم فلسفتنا الذي كتبه وهو في الخامسة والعشرين من عمره الشريف! إن كتاب فلسفتنا كان تصديا رادعا لتحدي الفلسفة المادية التي تمثل المذهب التجريبي.
اما الانجاز العلمي الذي طور من خلاله مناهج الدراسة في الحوزة العلمية فهو ماتشهد به مصنفاته ونظرياته التي اضحت تعج بها مقررات البحوث والدراسات التخصصية وماكتبه من مناهج تكون بديلة عن المتون القديمة تساير المرحلة والتجديد الفكري لتعطي افاقا رحبة في الاستنتاج والتطور المعرفي، إذ يرى تلميذه الفضلي «أن اجتهاده مميز وأن الإمام الصدر كان فقيهاً مجتهداً على مستوى النظرية والتطبيق. فمستوى النظرية الذي يعني أنه كان يمتلك وسائل الاجتهاد ويتمتع بالقدرة على الاستنباط. ومستوى التطبيق الذي يعني انفتاحه على الحياة المعاصرة ومحاولة تعرفه لكل مايجري فيها من أحداث وتطورات علمية وغير علمية. وتوصل إلى هذه النظرية المميزة من خلال إيمانه وعن معرفة واقعية للفقه الإسلامي بأنه النظام الإسلامي للحياة بكل أبعادها وشؤنها. وليس هو الفقه المدون في المتون الفقهية وأن ماهو أوسع من هذا وأبعد بما يشمل الاجتماع والإقتصاد والسياسة».
لقد ترك لنا الشهيدر الصدر تراثا فكريا ثريا في حقول المعارف تتميز بالقيمة العلمية تشكل في الاساس فتحا معرفيا لعبقري نذر الزمان به ينبغي ان تكون محل عناية للدارسين وطلاب المعرفة، وخصوصا نظرياته في الفلسفة والمنطق والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والتفسير والفقه واصوله،. ويتمتع الصدر بقدرة فائقة على التجديد وتطوير ما كان يتناوله من العلوم والنظريات، سواء على صعيد المعطيات، أو في الطريقة والاستنتاج. ولقد كان من ثمرات هذه الخصيصة انه استطاع أن يفتح آفاقا للمعرفة الإسلامية لم تكن مطروقة قبله كمايذهب تلميدة الهاشمي.
ونحن عندما نضع تجربة الامام الشهيد الصدر للجيل الحاضر كأغنى تجربة في مسيرة الاسلام الحركي لا نتحدث عن الصدر كشخصية إسلامية فقط، وانما عن الصدر مدرسة فكرية تميّزت بالأصالة والعمق والدقة والنضج إلى جانب المعاصرة والحداثة والنظرة الشمولية مع المنهجية والنزعة الموسوعية والرؤية الواقعية ذات التطلعات المستقبلية مع بعد الأفق والحيوية والحركية والنزعة الإنسانية إلى جانب التأسيس والإبداع في الأطر والمحتويات مع الإعتزاز بالتراث والحياد العلمي ونبذ التعصّب إلاّ للحق المستند إلى العقل السليم والمنطق القويم.
محمد باقر الصدر الذي ربى جيلا من ابناء الامة يحمل الاسلام رسالةً ومنهج حياة، حيث كان اله ذلك الحضور المميز على جميع الاصعدة، والامة بحاجة الى مراجعة «الفقيه» تأخذ مشروعيتها من الموقع الذي يصدر منه، باعتباره ممثلاً للإسلام وناطقاً باسمه وحاضناً للفكر الإسلامي ومصدر عطاءٍ معرفي. وتغذية روحية وفكرية للجمهور، ومسؤولاً عن صيانة معتقدات وأفكار وسلوك هذا الجمهور.
يقول الشهيد الصدر: «إنّ الإسلام قادر على قيادة الحياة وتنظيمها ضمن أطره الحيّة دائماً، ومن منطلق عناصره الثابتة والمتحرِّكة، بحيث يُمكن أنْ يستوعب كلّ مشاكل الحياة المعاصرة ووضع العلاج المناسب لها، وهذا ما يتطلّب منهجاً إسلاميّاً واعياً للعناصر الثابتة في الشريعة وإدراكاً معمّقاً لمؤشّراتها العامّة، والّتي على ضوئها يتمّ استنباط العناصر المتحرِّكة وتحديدها وفقاً لطبيعة المرحلة ومتطلباتها، وذلك ضمن حدود صلاحيّات الحاكم الشرعيّ.»
- هذا هو محمد باقر الصدر رضون الله عليه الذي عاش من العمر 48 سنة فكيف لو قُدر له أن يعيش 80 سنة لأغنى العالم بأرقى نتاج قد تتوصل له المعرفة البشرية والمدارس الفكرية.. ولكن استهدفه الطغاة ولم يتحملوا فكره وعقيدته وإيمانه الصلب وساوموه على ذلك لكن «أبى أن يعيش إلا عزيزا، أو تجلى الكفاح وهوَ صريعُ».. فعاش المحنة في أقسى صورها وأبشع أدوارها ”عاش سنوات المحنة وأيام الحصار“ وطاردوا أتباعه وطلابه وشُرد من شُرد وسُجن من سُجن وقُتلَ من قُتل وبقيَ صامداً مُحتسِباً حتى قُتلَ شهيداً هو وأخته العلوية يوم 9 / 4 / 1980 م «1400 هـ ».
الشهيد الصدر والتجديد في نظرية المعرفة
الكتاب الذي أعطى للفكر طفرة غنية في طرق الاستدلال والاستنتاج «كتاب الاسس المنطقية للاستقراء» اذ يقول الشهيد الصدر: في هذا الكتاب إذ نحاول إعادة بناء نظريّة المعرفة على أساس معيّن، ودراسة نقاطها الأساسيّة في ضوء يختلف عمّا تقدّم في كتاب «فلسفتنا» سوف نتّخذ من دراسة الدليل الاستقرائي ومعالجة تلك الثغرة فيه أساساً لمحاولتنا هذه.
ويرى تلامذة الشهيد الصدر انه من اكثر مؤلفات السيد «الصدر» التي تبرز عبقريته العلمية. ولا شك في ان الكتاب يبرز هذا التفوق العلمي والفكري، فقد اقتحم حقلا فائق الدقة في نمطية القديم والحديث، بكفاءة علمية عالية، وبثقة علمية كبيرة من المؤلف، حيث اعتبر محاولته في هذا الكتاب «اعادة بناء نظرية المعرفة على اساس معين.
والاسس المنطقية للاستقراء كانت محاولة من الشهيد الصدر في ابداع نظرية تركيبية توحيدية تكون وظيفتها انتاج معرفة انسانية راقية ومُلزمة في نفس الوقت لكل انسان ومعها يتم الخلاص من ظاهرة الالحاد ويتمكن في اطارها الوصول للإيمان بالله وعلى هذا الاساس جاءت محاولة معالجة اشكالية الدليل الاستقرائي ومسألة الانتقال من الخاص الى العام في عملية انتاج المعرفة وتحديداً اليقينية كمدخل في مسيرة اعادة بناء الانسان من جديد وقد حاول تطوير نظرية الاحتمال التي هي بمثابة الحلقة المفقودة في السلسلة المكونة للنسق المعرفي اذ بها يتم التأسيس للدليل الاستقرائي وجعلها العنصر الرابط بين العناصر المنتجة للمعرفة والتي بواسطتها يصبح الاستدلال الاستقرائي واحداً بالنسبة لمجموع عناصر نظرية المعرفة وبه يتم دمج المعطيات الثلاثة الوحي، والعقل، والتجربة في دائرة واحدة.
ومما يجدر بنا الاشارة اليه هنا ان نقول ان هناك ثغرات موجودة في منهج الاستدلال الرياضي التي اتبعتها حسابات الاحتمال للوصول الى نتائج انها تفتقر الى مباديء اسبق من الحس الذي يقف عنده النهج الحسي كأصول جزئية لمسار الاستدلالات بل هناك ثغرة تحكم الفرق بين القضية العلمية كصورة ذهنية يصدق العقل بها ومدلول هذه القضية من الوجود الواقعي وقد حاول الشهيد الصدر ان يثبت ذلك الواقع على اساس من الإحتمال، فما قدمه الشهيد لا يتجاوز المدى العلمي لدى الانسان بهذا الواقع ووصوله الى درجة اليقين منها فحسب، ومحاولة السيد الشهيد وإن وفقت على مستوى إلزام اتباع المدرسة الحسية بضرورة أن تجعل فكرة وجود الصانع ضمن المسار المُتبع لأي نهج علمي والا لن يسلم اي استدلال لهذا النهج وهي لم تسلم من الثغرات الكثيرة التي مُني بها النهج التجريبي ككل ويرى الشهيد الصدر «ان الانسان بين امرين فهو إما ان يرفض الاستدلال العلمي ككل وإما ان يقبل الاستدال العلمي ويعطي للاستدلال الاستقرئي علي إثبات الصانع نفس القيمة التي يمنحها للاستدلال العلمي».

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق